ملاحظة: كتبت هذه التدوينة مساء الأربعاء 12 ربيع الآخر 1448هـ الموافق 23 سبتمبر 2026، ونشرتها في اليوم التالي، وآثرت الاحتفاظ بصيغة الزمن الذي كتبت فيه كقولي (اليوم.. الخ)

تدور مشاعري اليوم في فلك الامتنان؛ حمدًا لله وشكرا على التحول الذي أعيشه، والفارق الكبير في نفسيتي وطمأنينتي بين هذه الأيام وبين سنوات مضت.
اليوم هو إجازة اليوم الوطني السعودي السادس والتسعين. وهو يوم إجازة رسمي للطلاب والمؤسسات الحكومية والقطاع غير الربحي، وسيكون برنامجي اليوم مختلفا عن الروتين المعتاد، كيف؟ لا أعرف بعد. صليت صلاة الفجر، ثم بدأت أفكر في ما سأقوم به هذا اليوم. هبّت رياح القلق، وقوائم المهام أخذت تطرق عقلي بقوة قاسية. لم يكن هذا الأمر جديدًا عليّ. بل هو نفسه الذي طالما اجتاحني جالبًا معه قلقَ الوقت وضغطَ الإنجاز، مخلفًا وراءه اليأس والحزن.
في وسط هذه الرياح المزعجة، تفتق وعيي أن كل هذا من عمل الشيطان؛ أذيةً للإنسان يمارسها من خلال الوسوسة. الوسوسة التي هي صوت خفي، مطابق تماما لصوت حديث النفس الداخلي، لا يختلف عنه إلا إنه صوت لا يؤدي لخير، ولا أعرف علامة فارقة أخرى.
قاومته! بدأت يومي بالأذكار، ثم تلاوة الفاتحة، وفجأة تذكرت أن لديَّ موعدًا صباحيا فأكملت الفاتحة سبعا ثم بدأت أجهز نفسي للخروج. اكتملت التجهيزات، وفتحت باب الشارع، توقفت برهة، ورفعت بصري نحو السماء، كما هي السنة التي وصلتنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذت أقول: “بسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله…” إلى آخر الدعاء1. كنتُ أجبر نفسي على التوقف والنظر للسماء في أثناء ترديد الدعاء. أما المعتاد فهو أن أخرج من المنزل وأردد الدعاء وأنا أمشي بعجل إلى السيارة. ياااااه! كم أرهقنا زمن السرعة! كم أتعبتنا خطابات الإنجاز! كم أربكتنا دعوات اغتنام الوقت المبالغ فيها حتى سُلبنا الطمأنينة، وصرنا نجري في خطوات لا تستلزم الإسراع2. أقول “سلبتنا، أرهقتنا…” متحدثة عني وعن غيري، ولا أعرف إن كان غيري يعاني ما عانيته، ولكني أرجو ممن يقرأ كلماتي وقد وصفَتْ حاله أن يكتب ذلك في التعليقات، لعل ظاهرةً اجتماعية أو إنسانية يمكن أن تدْرَس علميًا أو على الأقل توثق تاريخيا.
أما بعد، فقد يتساءل القارئ عن سر التحول من حال القلق إلى حال الطمأنينة النسبية؟ والجواب قصةٌ تمتد إلى عشر سنوات في الماضي، ثم رحلة في أربعة أشهر قادتني إلى العلاج بالرقية الشرعية والمحافظة على أذكار الصباح والمساء.
أما الآن، فأعود إلى أربع ساعات إلى الوراء فحسب. فبعد الموعد الصباحي القصير، عدت للمنزل، وأخذت في تجهيز جلسة القهوة، مع لمسات صغيرة تضيف المتعة البصرية بما يتناسب مع صباحية خالية من الدوام. وفي تلك الأثناء، كانت نوبات القلق حيال الوقت تراودني عن طمأنينتي، ولكنها في النهاية عادت أدراجها خائبة، وأكملتُ يومي براحة وطمأنينة، وإنجازات مقبولة ليوم إجازة.
لا أكتب هذه الكلمات لأروي بطولتي في مقاومة القلق، أو أدعو القارئ إلى تبني استراتيجيات نفسية لمواجهة الأفكار المزعجة، ولكني أروي تجربتي مع قلق الإنجاز التي رأيتها مختلفة هذه المرة عن ما كانت عليه في الماضي. ربما كانت هناك عوامل متعددة صغيرة ساهمت في كسبي لمعركتي هذه ضد القلق، ولكن العامل الأهم الذي أنا متأكدة منه هو أن حصون القلب باتت أشد صلابة وأكثر تحسسا لهجمات العدو. كل ذلك بفضل الله ورحمته ولطفه الذي لا نستغني عنه طرفة عين.
الهوامش
- عن أم سلمة -رضي الله تعالى عنها- قالت: ما خرج رسول الله ﷺ من بيتي قط إلا رفع طرفه إلى السماء فقال: «اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أُضل، أو أزل أو أُزل، أو أظلم أو أُظلم، أو أجهل أو يُجهل علي»، لفظ أبي داود، وعند الترمذي في أوله زيادة هي: «بسم الله، توكلت على الله» ↩︎
- وليست زحمة الرياض بسالمة من تهمة سلب الطمأنينة. ↩︎











